هيفاء بيطار: تميّز في الكتابة، وجرأة في الطرح
أوّل ما قرأته للكاتبة السورية هيفاء بيطار كان كتاب: “فضاء كالقفص“، وهو عبارة عن مجموعة من القصص القصيرة، وأنا غالبا أميل لهذا النمط من الكتب، فقراءة القصص القصيرة ممتعة، خاصة إذا كان أسلوب الكتابة جميل. وقد شدّتني جرأة الكاتبة وواقعيتها، ولفتني نقدها الاجتماعي اللاذع، وقدرتها على جذبك لمتابعة القراءة، وأعجبني عشقها الواضح لمدينة أنا نفسي أعشقها: بيروت، على أنّ أكثر ما أحببته هو تمرّدها على قوانين الإنسانية القاسية، وعلى بشاعة الظلم، وذلّ الفقر، وتحدّيها للبؤس والتعاسة.
بعد قراءة هذا الكتاب، قرأت مجموعة أُخرى من قصصها القصيرة جُمِعَت في كتاب عنوانه:”كومبارس“، ولاحظت قوة أكبر في سرد المشاكل الاجتماعية وجرأة ملحوظة في طرح المسائل المتعلّقة بالجنس.
وآخر ما قرأت من أعمال الكاتبة كان كتاب “هوى“، وقد انتهيت من قراءته قبل أيام قليلة فقط، وكعادتها، فقد نجحت هيفاء بيطار في كتابة قصة واقعية لأبعد حد، حيث من الممكن أن يشعر أي قارئ بِصِلة تربطه بشخصية من شخصيات الرواية، أو موقف من مواقفها، أو تذكره في مكان من أماكنها.
أحببت لغة الرواية السلسة، وذكاء استعمال اللهجة العامية في الكثير من مواضعها، وجرأة استخدام بعض الألفاظ النابية، وقوة وصف تفاصيل بعض المواقف، ودقة وصف شوارع وأحياء أنا أكيدة من أنّها موجودة في الكثير من مدننا العربية، وبراعة الكاتبة في عكس مرارة عيش الطبقة الوسطى والفقراء من الناس، ومشوار عذابهم اليومي في تدبير لقمة العيش وسد الديون وتأمين مستقبل عائلاتهم المقهورة، وتعاستهم في مجتمعات تمجّد الأثرياء ولو كانوا مجرمين، وتُذِل الفقراء والشرفاء ولو كانوا مظلومين.
تتميز الكاتبة بتفوقها في نسج شخصيات مركبة، ولكن براعتها تتجلى في قدرتها العجيبة على جعل القارئ يتعاطف مع هذه الشخصيات. فبطلة الرواية شخصية مركبة بامتياز، ذلك أنّها تجمع العديد من الصفات المتناقضة، فهي أم حنون وابنة ناقمة، وهي مُطلّقة تكره المجتمع وتحقد على الرجال، وهي أنثى تعشق الحب وتحلم به. هي عشيقة آثمة، وهي امرأة تحلم بالاستقرار والعيش الكريم. هي شابة متفجرة الأنوثة تنعم بالصحة والجمال مفعمة بالنشاط والحياة، وهي امرأة هدّها التعب والمجتمع والفقر تحاول الانتحار. هي فقيرة حقيرة دون مبادئ تحلم بالثروة، وثريةتحن للفقر ورائحته وتحلم بالرجوع إليه. والغريب أنك مع كرهك للبطلة وتصرفاتها وخياراتها، تبرر لها كل ما تقوم به، وتتعاطف معها وتحزن على مسار حياتها. ومرّة أخرى يظهر هوى الكاتبة لبيروت واضحا، وينقلك إلى هناك، بكل تفاصيل هذه المدينة الآسرة التي تنبض حياة وتضج نشاطا.
ومع أنّ الكثيرين لا يمانعون بعض التفاصيل المتعلقة بالجنس، فأنا شخصيا لا أحبذ وجود هكذا تفاصيل، ولكن تُعَد هيفاء بيطار أفضل بكثير من غيرها من الكُتّاب من هذه الناحية، حيث أنّها لا تُكثر استعمال الجنس مقارنة مع بقية الكُتّاب العرب المعروفين. مأخذي الوحيد على الرواية هو طولها، فهناك بعض الأفكار المُكرّرة بلا داع.
أعجبتني نهاية الرواية كثيرا، فهي واقعية مع أنها غير متوقعة، وأعتقد أنّ هذه الرواية، لو استُثمِرَت على شكل فيلم سينمائي أو مسلسل، فإنها ستحقق نجاحا باهرا بالتأكيد .



